ابن عجيبة

252

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

ولما بيّن الحق تعالى ما يحرم في النكاح أصالة ، بيّن ما يحرم فيه عروضا ، فقال : [ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 222 إلى 223 ] وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذىً فَاعْتَزِلُوا النِّساءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ ( 222 ) نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلاقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ ( 223 ) قلت : المحيض : مصدر ، كالمقيل والمعيش والمجيء ، وهو الحيض . يقول الحق جل جلاله : وَيَسْئَلُونَكَ يا محمد عَنِ قرب النساء بالجماع في زمن الْمَحِيضِ ، قُلْ لهم : هُوَ أَذىً ، أي : مضرّ ، أو منتن مستقذر ، لا يرضى ذو همة أن يقربه ، فَاعْتَزِلُوا مجامعة النِّساءَ فِي زمن الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ بالجماع في المحل حَتَّى يَطْهُرْنَ من الدم ، بانقطاعه ، ويغتسلن بالماء ، فَإِذا تَطَهَّرْنَ بالماء فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ وهو الفرج ، الذي أمركم باجتنابه في الحيض ؛ إذ هو محل زراعة النطفة . فمن غلبته نفسه حتى وطئ في الحيض ، أو النفاس ، فليبادر إلى التوبة ، إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ كلما أذنبوا تابوا . ولا تجب كفارة على الواطئ ، على المشهور . وقال ابن عباس والأوزاعي : ( من وطئ قبل الغسل تصدق بنصف دينار ، ومن وطئ في حال سيلان الدم تصدق بدينار ) . رواه أبو داود حديثا . ومن صبر وتنزّه عن ذلك فإن اللّه يُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ من الذنوب والعيوب كلها ، وإنما أعاد العامل ؛ لأن محبته للمتنزهين أكثر . قال البيضاوي : روى أن أهل الجاهلية كانوا لا يساكنون الحائض ؛ ولا يؤاكلونها ، كفعل اليهود والمجوس ، واستمر ذلك إلى أن سأل أبو الدحداح ، في نفر من الصحابة ، عن ذلك ، فنزلت . ولعله سبحانه - إنما ذكر « يسألونك » من غير واو ، ثلاثا ، ثم بها ثلاثا ؛ لأن السؤالات الأول كانت في أوقات متفرقة ، والثلاثة الأخيرة كانت في وقت واحد ؛ فلذلك ذكرها بحرف الجمع . ه . ثم بيّن الحق تعالى كيفية إتيان النساء بعد الطهر ، فقال : نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ ، أي : مواضع حرثكم ، شبه ما يلقى في أرحامهن من النطف ، بالبذر ، والأرحام أرض لها ، فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أي : محل حرثكم ، وهو الفرج ، أَنَّى شِئْتُمْ أي : من أي جهة شئتم .